فخر الدين الرازي
700
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
على تحسين الخلق وتطهير النفس عن المعاصي والقبائح . المسألة الثانية : احتج من جوز المعاصي على الأنبياء بهذه الآية ، قال لولا أنه كان مشتغلا بها وإلا لما زجر عنها بقوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ والجواب المراد منه الأمر بالمداومة على ذلك الهجران ، كما أن المسلم إذا قال : اهدنا فليس معناه أنا لسنا على الهداية فاهدنا ، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية ، فكذا هاهنا . المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الراء في هذه السورة وفي سائر القرآن بكسر الراء ، وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر بالكسر وقرأ يعقوب بالضم ، ثم قال الفراء : هما لغتان والمعنى واحد ، وفي كتاب الخليل الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسر الراء العذاب ، ووسواس الشيطان أيضا رجز ، وقال أبو عبيدة : أفشى اللغتين وأكثرهما الكسر . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 6 ] وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : القراءة المشهورة تستكثر برفع الراء وفيه ثلاثة أوجه أحدها : أن / يكون التقدير ولا تمنن لتستكثر فتنزع اللام فيرتفع وثانيها : أن يكون التقدير لا تمنن أن تستكثر ثم تحذف أن الناصبة فتسلم الكلمة من الناصب والجازم فترتفع ويكون مجاز الكلام لا تعط لأن تستكثر وثالثها : أنه حال متوقعة أي لا تمنن مقدرا أن تستكثر قال أبو علي الفارسي : هو مثل قولك مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرا للصيد فكذا هاهنا المعنى مقدرا الاستكثار ، قال : ويجوز أن يحكي به حالا آيته ، إذا عرفت هذا فنقول ، ذكروا في تفسير الآية وجوها أحدها : أنه تعالى أمره قبل هذه الآية ، بأربعة أشياء : إنذار القوم ، وتكبير الرب ، وتطهير الثياب ، وهجر الرجز ، ثم قال : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة ، كالمستكثر لما تفعله ، بل اصبر على ذلك كله لوجه ربك متقربا بذلك إليه غير ممتن به عليه . قال الحسن ، لا تمنن على ربك بحسناتك فتستكثرها وثانيها : لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين ، والوحي كالمستكثر لذلك الإنعام ، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر اللّه ، فلا منة لك عليهم ، ولهذا قال : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [ المدثر : 7 ] ، وثالثها : لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر ، أي لتأخذ منهم على ذلك أجرا تستكثر به مالك ورابعها : لا تمنن أي لا تضعف من قولهم : حبل منين أي ضعيف ، يقال : منه السير أي أضعفة . والتقدير فلا تضعف أن تستكثر من هذه الطاعات الأربعة التي أمرت بها قبل هذه الآية ، ومن ذهب إلى هذا قال : هو مثل قوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [ الزمر : 64 ] أي أن أعبد فحذفت أن وذكر الفراء أن في قراءة عبد اللّه ( ولا تمتن تستكثر ) وهذا يشهد لهذا التأويل ، وهذا القول اختيار مجاهد وخامسها : وهو قول أكثر المفسرين أن معنى قوله : وَلا تَمْنُنْ أي لا تعط يقال : مننت فلانا كذا أي أعطيته ، قال : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ ص : 39 ] أي فأعط ، أو أمسك وأصله أن من أعطى فقد من ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة ، فالمعنى ولا تعط مالك لأجل أن تأخذ أكثر منه ، وعلى هذا التأويل سؤالات : السؤال الأول : ما الحكمة في أن اللّه تعالى منعه من هذا العمل ؟ الجواب : الحكمة فيه من وجوه الأول : لأجل أن تكون عطاياه لأجل اللّه لا لأجل طلب الدنيا ، فإنه نهى عن طلب الدنيا في قوله : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ